محمد بن جرير الطبري
484
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
قريبا ، فاستجهلنى بالقرآن فحرفه عن مواضعه ، طمعا في قليل قد تعافاه الله إلى خلقه ، فكان كالذي دلى بغرور ، وأمرني ان اجرد السيف ، وارفع الرحمة ، ولا اقبل المعذرة ، ولا أقيل العثرة ، ففعلت توطيدا لسلطانكم حتى عرفكم الله من كان جهلكم ، ثم استنقذنى الله بالتوبة ، فان يعف عنى فقد ما عرف به ونسب اليه ، وان يعاقبني فيما قدمت يداي وما الله بظلام للعبيد وخرج أبو مسلم يريد خراسان مراغما مشاقا ، فلما دخل ارض العراق ، ارتحل المنصور من الأنبار ، فاقبل حتى نزل المدائن ، وأخذ أبو مسلم طريق حلوان ، فقال : رب امر لله دون حلوان وقال أبو جعفر لعيسى بن علي وعيسى بن موسى ومن حضره من بني هاشم : اكتبوا إلى أبى مسلم ، فكتبوا اليه يعظمون امره ، ويشكرون له ما كان منه ، ويسألونه ان يتم على ما كان منه وعليه من الطاعة ، ويحذرونه عاقبه الغدر ، ويأمرونه بالرجوع إلى أمير المؤمنين ، وان يلتمس رضاه وبعث بالكتاب أبو جعفر مع أبى حميد المروروذي ، وقال له : كلم أبا مسلم بالين ما تكلم به أحدا ، ومنه واعلمه انى رافعه وصانع به ما لم يصنعه أحد ، ان هو صلح وراجع ما أحب ، فان أبى ان يرجع فقل له : يقول لك أمير المؤمنين : لست للعباس وانا بريء من محمد ، ان مضيت مشاقا ولم تأتني ، ان وكلت امرك إلى أحد سواي ، وان لم ال طلبك وقتالك بنفسي ، ولو خضت البحر لخضته ، ولو اقتحمت النار لاقتحمتها حتى أقتلك أو أموت قبل ذلك ولا تقولن له هذا الكلام حتى تأيس من رجوعه ، ولا تطمع منه في خير فسار أبو حميد في ناس من أصحابه ممن يثق بهم ، حتى قدموا على أبى مسلم بحلوان ، فدخل أبو حميد وأبو مالك وغيرهما ، فدفع اليه الكتاب ، وقال له : ان الناس يبلغونك عن أمير المؤمنين ما لم يقله ، وخلاف ما عليه رايه فيك ، حسدا وبغيا ، يريدون ازاله النعمة وتغييرها ، فلا تفسد ما كان